الأحد، 20 أكتوبر 2019

( الأبعادُ الاجتماعيةُ بين تقنيات السرد وجماليات النّص ) في المجموعة القصصية " بانتظار النّهار " للقاصّة السعودية " نوال السويلم "بقلم د.علاء شدوح



د. عــــــــــــــلاء محـــــــــــــــــمد شــــــــــــــدوح*

نتيجة بحث الصور عن بانتظار النهارإنّ النّصَّ الأدبيَّ ( أيَّ نصٍّ ) هو توليفةٌ من عناصرَ فنيةٍ وجماليةٍ تجعلُ منه بِنيةً متينةً وهدفًا نقديًّا عند القارئ، ومنظومةً معرفيّةً تستحق القراءةَ الفاحصةَ عند الناقد. إذْ تُعتبرُ القراءةُ للنصِّ الأدبيِّ كتابةً ثانيةً له، إنْ تضمّنتْ إبداعًا آخرَ يُرضي المبدعَ والقارئَ معًا. ومِن الدعاماتِ المهمةِ لهذه المنظومة، المشكلاتُ الاجتماعيةُ التي يطْرُقُها النصُّ الأدبيُّ، ليساهمَ في محاولةِ علاجها، وهذا هو ما عُني به المنهجُ الاجتماعيّ في النقد الأدبي الذي يؤمن بأنّ الأدبَ صورةٌ للمجتمع. ومِن هنا سيُحاولُ الباحثُ أنْ يرصدَ القضايا الاجتماعيةِ في المجموعةِ القصصيةِ (بانتظار النّهار) للقاصة السعودية نوال السويلم ( دار أثر، ط1، 2018 )، محاولًا أنْ يُظهرَ كيف قدَّمَتْ القاصةُ لنا هذه القضايا من خلال تقنيات السرد المختلفة.
إنّه لا يخفى على أحدٍ أنّ (الغلاف) هو عتبةٌ مهمةٌ للولوج إلى النص، فغلافُ المجموعة يحوي لوحةً فنيّةً تكعيبيةً للفنان الإسباني (بيكاسو) رسمَ فيها حبيبته (دورا مار). وبصرف النظر عن ما تعنيه هذه اللوحة من معانٍ سياسيةٍ وعاطفيةٍ آنذاك، فإنّ ما يعنينا فيها هو أنّ القاصّةَ تدَخّلَتْ بشكلٍ أو بآخر في غلاف مجموعتها، ووجدتْ أنّ هذه اللوحة تتناسب مع مضامين قصص المجموعة، ورأتْ – وهذا ما يراه الباحث أيضًا- أنّها تُمثِّلُ كلَّ الأوجاع الاجتماعية التي طَرَقَتْهَا في القصص، وهذا جليٌّ من خلال تلك المرأة ذات الوجهين الملطَّخين بالألوان، واللذيْن يدلان على الحالات الأخلاقية أو الفكرية المتعددةِ التي يُمكنُ أنْ يَتَقَلَّبَ عليها الإنسانُ في حياته. وهذا يذكرنا بالقصّةِ التاسعة من المجموعة (مذكرات يوم لم يولد بعد) التي تشيرُ ضِمْنًا إلى الفُصامِ الاجتماعي عند الناس. وتشيرُ العينُ التي تقبعُ في الوجه الثاني وتنظرُ إلى الوجه الأول، إلى أنَّ الإنسانَ مهما لبسَ من أقنعةٍ واكتسى من زَيْفٍ، يظلُّ يعرفُ في قرارة نفسه وجْهَهُ الحقيقي.
وللألوان التي تلطِّخ المرأةَ ابتداءً من شعرها ووجها وانتهاءً بكفّيها وملابسها، دلالةٌ على الحالات النفسية والاجتماعية السلبية التي يمكن أنْ تمرَّ بها المرأةُ في حياتها منْ ظلمٍ أو سلْبٍ للحقوق أو تحملٍ للمسؤولية، أو خوفٍ من العزلة والهزيمة والموت، وتدلّ أيضًا على أنها ستبقى قويّةً ومفعمةً بأملٍ تنتظرُ أنْ يتحققَ، وستبقى النّدَّ المثاليَّ للرجل، ولنْ تظلَّ في دور المتفرّج على الأحداث بل ستشارك في صنعها. وهذا يُذكرنا بقصة (رأس أنثى) التي تُلخِّص صمودَ المرأةِ واهتمامها بنفسها رغم حقوقها المهضومة من الدولة كمجتمع، ومنها كسلطة.
أمّا جِلسةُ الفتاة في اللوحة توحي بأنها تنتظرُ شيئًا أو أملًا أو علاجًا، وهذا يتناسبُ –بلا شك- مع عنوان المجموعة (بانتظار النهار)، فهذا العنوان هو العتبة الثانية من عتبات المجموعة، إذْ لم تستَلّْ السويلم هذا العنوان من عناوين القصص، بل اختارته اختيارًا ذكيًّا لِيُمثِّلَ كلَّ المشكلات الاجتماعية التي أرادتْ الإشارة إليها، والتي تأمل أنْ تُساهمَ في تخلّص المجتمعات العربية منها مستقبلًا، هذا على اعتبار أنّ تأويلَ العنوان هو مسحٌ قبليٌّ لمقصديةِ المبدع.
وجاء الإهداء –العتبة الأخيرة- في جملةٍ واحدةٍ تحملُ من الوجع والألم ما لا يقلُّ عنها في قصص المجموعة. (إلى هديل، رحيلك علمني معنى الفرح) (ص 5 )، فهذه المجموعة مُهداة إلى هديل، تلك الفتاة التي تُعني للقاصّةِ كلَّ شيء، فربما هي أختها أو صديقتها، فقد ماتتْ وخلّفَتْ في قلبِ القاصّة ألمًا عَرَفَتْ من خلاله ما هو الفرح الذي كانتْ تنعُمُ به قبل أنْ تفقدَه. وهذا يذكرنا بالقصة الثامنة (يرحلون شتاءً) والقصّة الأخيرة (أم الحمام) بما فيهما من أسى الفَقْد ووجعِ الفراق.
وبعدَ الوقوفِ على العتبات الثلاث، سيشيرُ الباحث إلى بعض المشكلات الاجتماعية التي وردت في مضامين قصص المجموعة:
1-  علاقةُ المدير بموظفيه: تَظهرُ هذه العلاقة بوجهها السلبي في قصة (مسؤولية)، حيث كانت العلاقةُ بين البطلة ومديرتها علاقةً مشحونةً وجامدة، إذ تريد المديرةُ من موظفتها ألّا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، وكانت تُعاملها كعبدةٍ تتلقّى الأوامرَ وتنفّذ دونَ أنْ تُناقش. وللأسف إنّ هذه الصورة البشعة للكثير من المدراء منتشرةٌ في مجتمعاتنا العربية، فتعود على الموظفين باليأس والإحباط وقلّة الجهد في العمل. (رمقتني بنظرة حادة لم أفهم معناها، تعني أنّ مثلي يتلقى الأوامر من رؤسائه ولا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يتنفس) (ص44)، (وددت لو تشكرني على إنجازي)(ص44)، (المديرة تناديني بضجرٍ معتاد)(ص44).
2-  علاقة المرأة ببيتها ومسؤولياتها: نلاحظ في نفس القصة (مسؤولية) أنّ القاصّة أشارتْ –تصريحًا- إلى واجب المرأة تجاه مسؤولياتها البيتية القاسية، والتي ستزداد قسوة إذا لم يتحمل الزوجُ معها جزءًا من الأعباء، مما يؤدي بالزوجة إلى الانهيار في كثيرٍ من الأحيان. (أنا المسؤولة عن شراء مستلزمات الأسرة، وأجرة الخادمة، ومواصلاتي الصباحية، ورسوم المدارس، ومتابعة حالة ابنتي الصحية، ومرضها المزمن، ودراسة طفليّ، وإصلاح المعطوبات، ومتابعة انقطاع الماء، وسداد الفواتير...)(ص43).
3-  علاقة الأب بأولاده: تُجسدُ قصة (سبعة) نظرةَ اللامبالاة وعدم الاكتراث من الأب إلى أبنائه، وهذا يعود إلى أسباب كثيرة منها: أنّ الأب قد يكون على علاقة سيئة بزوجته، ومعاملته لها معاملة يفقدها فيها كرامتها، فينعكس هذا على أولاده الذين سينظر لهم بعد ذلك على أنهم أرقامًا في بطاقة الأحوال الشخصية، بمعنى أنهم لا يعنون له شيئًا ويتنكّر لهم طيلة حياته. ومن هذه الأسباب أيضًا: الزواج العرفي الذي يتخذه الرجال ملاذًا لتفريغ شهواتهم دون مراعاةٍ للزوجة ولأولادها ودون مراعاة ٍ لقداسة الزواج وهيبته، بالتالي سيكون الأولاد بالنسبة إليه مجرّد نكرة، في الوقت الذي يكونون فيه كُلَّ شيءٍ بالنسبة للأم. (سيكون رقمًا في بطاقة عائلتك، مجرد رقم! حين يأتي لا تتفرس في ملامحه، هو حتمًا يشبهني لأني أردته وأحببته، لا تلمسه ولا تجسّ خافقه، فبرودة يديك ستبدد ما نفثْتُهُ في روعه من أمان، لا تقبّله فشفتاك مزمومتان ستطبعان على جبينه دائرة معقودة حوافها بإحكام)(ص7).
4-  علاقة النّاس بجنس المولود: من المشكلات الاجتماعية الموروثة في مجتمعاتنا العربية رفضُ المولودِ الأنثى والعبوسُ لمجيئِها، والفرحُ والسرورُ للمولودِ الذكر، وهذا ما أشارتْ إليه قصة (ظلال باهتة)، حيث عَرَضَتْ القاصّةُ فيها هذه المشكلة الجاهلية والتي ما زالتْ موجودةً حتى الآن، إذْ نلاحظ كيف أصيبتْ الجدّة بالخيبة لأنّ المولودَ أنثى، وكيف استقبلتْ المولودة استقبالًا باهتًا يختلفُ عن استقبال ولادة أخوتها من الذّكور. وتدعو القاصّة إلى التخلّص من هذه المشكلة الاجتماعية، لأنها محرّمة في الدين الإسلامي، ولأنها تظلمُ المرأة وتهضم حقّها في الحياة. (أتيتُ بلا احتفالٍ بهيج، ولا سلال شوكولاتة مغلّفة بشريط ساتان وردي، ولا هدايا تذكارية، ولا بطاقات أنيقة، ولا صور فوتوغرافية، كان في استقبالي خيبة الجدّة من قدوم أنثى)(ص49).
5-  علاقة الإنسان بمجتمعه: في نفس القصّة (ظلال باهتة) أشارتْ القاصّةُ إلى مرضٍ اجتماعيٍّ مُتَفَشٍّ في كل المجتمعات العربية وهو (الحسد) الذي يمكن أنْ يؤدّي إلى فقرٍ أو مرضٍ أو مشكلاتٍ أسرية أو حتى موت. (فهذه الحرارة التي تأتي صيفًا وشتاءً سببها عين حارّة لم تُصلِّ على النبي...ما من داء إلّا له دواء والرّقية تُذهبُ العين)(ص51). ونلاحظ في قصة (لقاح) كيف لفتتْ انتباه القارئ إلى الضّجر من العادات والتقاليد السلبية والسيئة في المجتمعات، ففي هذه العادات تجتمع تناقضات الناس وعدوانيتهم الفكرية تجاه الفرد، لاسيما الأنثى التي قد تتأذّى كثيرًا من هذه العادات القديمة الموروثة عن الآباء والأجداد، فنلاحظ كيف نَفَرَتْ بطلةُ القصّة من البيئة والثقافة البدوية المحكومة بدستورٍ قديمٍ غير قابلٍ للتطور أو التعديل. وفي قصة (الرّاوي العليم) إشارةٌ واضحةٌ إلى الزّيْف والخداع اللذيْن يُخفيهما الناسُ في المجتمع خلفَ وجوههم وملابسهم، كالنّفاق والكذب والسّرقة والتسلّق على ظهور الآخرين من أجل الشّهرة. (الفتاة التي تبيع المناديل على الرّصيف...هذه محتالة...لا يغرّنك هذا الترف يتطاولون في البنيان على أنقاضٍ من كرامة الإنسان...يتسوّلون الشهرة لنتوجهم مفكرين وكُتّابًا من جهابذة العصر)(ص28-29). أمّا قصة (رأس أنثى) فهي إشارة صريحة إلى نظرة المجتمع العربي إلى المرأة وخاصّة المجتمع السعودي، ففي هذه النظرة تناقضٌ بين التنظير والتطبيق، حيث إنّ المنظَّمات في المجتمعات العربية تنادي بالمحافظةِ على حقوق المرأة والمطالبة بها من خلال المجلّات ونشرات الأخبار، إلّا أنّ هذه المناداة هي لا شيء على مستوى التطبيق مُراعاةً للعادات والتقاليد وتعاليم الدين. ونلاحظ كيف أقحمتْ السويلم في القصّة شخصيةَ الكاتبةِ السعودية (وجيهة حويدر) التي اختصّتْ بالكتابة عن حقوق المرأة السعودية، حيث تعرّضت إلى الاعتقال من السلطات السعودية جرّاء ذلك، وقد ضَمّنَتْ القاصّةُ قصّتَها جزءًا من كلام الحويدر (لا زالتْ المرأة تعيش حياة العبدة أو الأمة، وبالتالي ماذا يفرّق بينها وبين جوانتنامو، السجناء هناك الكثير منهم أُفرج عنهم، ونحن ما زلنا في هذا السجن)(ص25). وتُعالج قصّة (مذكرات يوم لم يولد بعد) ظاهرة الفُصام الاجتماعي المنتشر بكثرة في مجتمعاتنا، حيث يعيش الإنسان في أكثر من وجه يوميًّا، هذه الوجوه التي قد تتقلّبُ بين الكثير من الثنائيات الضّدية كالخير والشر، والجِدّ والهَزْل...إلخ. فنلاحظ كيف حاولتْ البطلةُ في القصّة أن تعيشَ وجهًا آخرَ غير الوجه الحقيقي لها، وكيف كَنَّتْ بالأكياس التي عثرتْ عليها في باطن الأرض والتي يحمل كلٌّ منها لون، عن الأقنعة المتعددة التي يمكن أن يرتديها الإنسان فوق قناعه الحقيقي.
6-  علاقة الإنسان بالعلم: لخّصتْ قصة (عشرولوجيا) كيف يمكن للعلم أن يُنقذَ جيلًا كاملًا من الانحراف والانجرار وراء الأفكار السوداوية التي يمكن أن تُطيحَ بمجتمعٍ كامل. فنلاحظ كيف نَصَحَ المعلم طلابَه بتحريك العقلِ وإعماله وعدم الاستسلام إلى الأفكار الجاهزة، وكيف كَنَّتْ القاصّة بنبات العُشَر السّام عن الجهل أو الانحراف الفكري الذي سيؤدّي إلى الموت، كالعملية الإرهابية التي نفّذها أصحاب العقول المنحرفة.
7-  علاقة الإنسان بالحُبّ: تختلف نظرة الرّجل إلى معنى حُبّ المرأة، ويتْبَعُ ذلك إلى طريقةِ تفكيره وهدفه من هذا الحب، ونلحظ هذا جليًّا في قصة (اعترافٍ أبيض) فقد أخفى بطلُ القصّةِ في داخلهِ ماضيه وتجاربه العاطفية عن المرأة التي يجلس معها، فحاول أن يستغلَّ سذاجتها بهدايا ثمينة يُنَسّيها من خلالها عَبثه مع النساء، وفي المقابل كانت المرأةُ تعترف له اعترافها الأبيض لشعورها بالأمان معه، الأمر الذي أزعجه جدًّا، عندها بدأ يُحدّث نفسه بنوايا سيئة قد تصل إلى استغلالها جنسيًا. (فكّر ثم قدّر، ثمّ قُتِل كيف قدّر، كان يشغله هل يوصلها إلى بيت أهلها الآن أم في الصباح)(ص15).
8-  علاقة الإنسان بالموت: التلازُم هي السمة الأساسية لهذه العلاقة، ولهذا ينفرُ الإنسان منه ويكرهه ويحاول بسذاجته أنْ يفرَّ منه، ولكنّه يعلم يقينًا أنّه ملاقيه، وأنّه سيسلبه حبيبًا أو قريبًا أو صديقًا...إلخ، وأنّه –بالتالي- سيُعَزّي نفسه بالنسيان أو التناسي. ففي قصة (يرحلون شتاءً) نرى أنّ الموت قد سَلَبَ البطلَ أصدقائه الثلاثة الذين قَضُوا في حادثِ سَيْرٍ شنيع، وكيف باتَ بعد ذلك مسكونًا بالحزن ويتَملّكه الشعور بالخوف من الموت والإحساس به. وفي قصة (أم الحمام) فقدتْ الأمُّ ابنَها، وهذا أكثر صور الفَقْدِ ألمًا، إلى درجة أنّها باتت تعجز عن وصف هذا الألم، لكنّ إيمانها بالله جعلها تقتنع أنّ جثةَ ابنِها مكانُها الحق هو القبر، لأنّ المسافرين إلى الله ينامون بسلام.
وبعدَ أنْ تمَّ تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية السلبية المتناثرة في المجموعة، لا بُدَّ من الإشارة إلى بعض التقنيات السردية التي استخدمتها السويلم في إبراز تلك القضايا والمساهمة في حلّها بشكلٍ أو بآخر بقالبٍ فنّيّ جميل.
استخدمتْ القاصّة تقنية (الاستدعاء أو الاسترجاع) في ثلاث قصص، أولها قصّة (سبعة) عندما استدعى البطل سيرة حياته واختصرها في سبع دقائق، حتى انتهى هذا الاستدعاء بانفراج باب المصعد، (ص10). وظهر الاستدعاء أيضًا في قصة (زومبي) عندما كان السّرير الذي يُمَثِّلُ عليه البطل دورَه في المسرحية، مكانًا لاسترجاع كل ما في خلده من أحلامٍ وأماني وذكريات وحب وخيبات،(ص12). أمّا قصّة (مسؤولية) فقد ظهرت فيها هذه التقنية عندما استأذنتْ البطلةُ زوجَها على الهاتف بحجة أنّ مديرتها تناديها،(ص43). ومعروفٌ في علم النفس أنّ هذا الاسترجاع هو (نكوصٌ) أو هروبٌ إلى الماضي للتخلّص من الواقع، فالتواري خلف ستار الماضي أمرٌ محبّبٌ للنفس البشرية. فيمكنُ القول إنّ السويلم استخدمتْ هذه التقنية ليهربَ أبطالها من خلالها من واقعهم المرير ولو للحظات معدودة.
وللحلم في المجموعة حضورٌ مميز بنوعيه الحقيقي وحلم اليقظة، ففي قصة (الرّاوي العليم) دخلَ البطل في "تهويم" أو "حلم يقظة" وهو يركب الحافلة. (وأغمضتُ عينيَّ متظاهرًا بالنوم، فأنا غريب هاربٌ منّي...شعرتُ أنّ الحافلة تنفصل عن الأرض وأنّي أُحلّق في فضاءٍ أزرق...حيث ضربني جاري بمنكبه كان يقول لي أنت تحلم)(ص29). وفي قصة (مذكرات يوم لم يولد بعد) ظهر المشهد التخيلي المرعب الذي عاشته البطلةُ على هيئة حلم كان حافلًا بالأحداث المرعبة. (وأنا أفتح الكيس ...إذ بصوت أمي العذب يهتف باسمي ويمسح العرق المتفصِّد من جبيني: بسم الله عليك)(ص38). ومن المعروف عن الأحلام أنها آتيةٌ من لا وعي الإنسان، أنّها تُعبّر عن مكنوناته ومكبوتاته وآلامه وأوجاعه التي تتعلق بواقعه، فقد ساعدتْ تقنية الحلم في إظهار المضامين الاجتماعية السلبية التي تريدها القاصّة، عَلّها تجد لها حلًّا في المجتمع.
وظاهرة التكرار كانت واضحةً في المجموعة، ففي قصة (الراوي العليم) كرّرَ البطلُ جملةَ (نحن العرب نضع الأمور في غير موضعها)(ص28-29) أربع مرّات، وهذا التكرار يتناسب مع مضمون القصّة الذي يدور حول كشف الزّيْف والخداع الذي يمتهنه الناسُ كثيرًا هذه الأيام. وفي قصة (يرحلون شتاءً) كرّر البطل (وحدي معهم) أربعَ مرّات، وهذا يتناسب مع حجم الألم والوجع الذي عانى منه البطل بسبب فقده لثلاثة من أصدقائه بحادث سير شنيع. وفي قصّة (مسؤولية) كرّرتْ البطلة (لا بأس) ثماني مرّات وهذا أيضًا يتناسب مع رضا الأمّ البطلة بالمسؤولية الملقاة على عاتقها رغم ثقلها، وتخلّي زوجها عن تحمل الأعباء معها. وفي قصة (سبعة) كرّرتْ القاصّة الرقم "سبعة" سبع عشرة مرّة، ولا أظنّ أنّ الصُّدفةَ لعِبتْ دورَها في عدد هذا التكرار، لأنّ القصة كلّها تدور حول الرقم سبعة، فالمولود هو المولود السابع، وقد جاء في الشهر السابع، وتجاوز السبعَ أيام دون عقيقة، وأخذ دور البطولة في القصة في عمر سبعٍ وعشرين سنة، واختصر سيرته في المصعد في سبع دقائق، وكان ينعت نفسَه رجلًا بسبعة أرواح، ومدونته عن قداسة الرقم سبعة، وفهم أبوه أنّ الرقم سبعة يتضاعف إلى سبعِ مئة ضعف، والطواف حول الكعبة سبعة أشواط، ورجم إبليس بسبع حصوات، وسورة الفاتحة هي السبع المثاني، وسنّ السابعة هو سنّ التمييز، وعدد السماوات سبعة، وعجائب الدنيا سبع، وشقة والده في الدور السابع وفي الجناح 700، وانتهت القصة عند الساعة السابعة صباحًا. فقد ذوَّبتْ القاصّة هذا الرّقم في أرجاء القصّة ليخدم المغزى الذي تريده، فقد اختارته السويلم اختيارًا ذكيًّا لما له من قيمةٍ وقداسةٍ في الدين الإسلامي. والتقنية السردية الأبرز في المجموعة هي الحوار، فجاء بنوعيه الخارجي والداخلي، ومَزَجَتْ فيه السويلم اللهجةَ العاميّةَ –السعودية- باللغة الفصحى. ففي قصة (سبعة) دار حوارٌ داخلي مُتَخَيَّل بين الأم ونفسها، وحوارٌ بين الجنين ونفسه، ثم دار حوارٌ خارجي بين البطل وأمه بلهجة سعودية جعلتْ القصةَ أكثر واقعية وأكثر جذبًا للقارئ، على الرغم من صعوبة فَهم بعض المصطلحات فيها. (حلله وبيحه ، مهما كان هو أبوك، الله يرحمه، ويعفو عنه، وزع حلاله عليهم قبل ما يموت، والله الله في خواتك)(ص10)، فجملة (حلله وبيحه) جملةٌ بلهجةٍ سعودية تُقال في طلب المسامحة من الميت والعفو عنه بحيث تبرأ ذمّتُه أمام الله ولا يحاسبه عن ظلمه، وتُقال أيضًا في الوداع الذي قد لا يعقبه لقاء من أجل المسامحة. وجاء الحوار في قصة (مسؤولية) بين البطلة والسائق بمزيجٍ بين اللهجة العامية والفصحى، وهذا الأسلوب الحواريّ محببٌ عند بعض النقاد لأنه يعقد مشاركةً بين اللغتين لإنتاج حلاوةً لغوية بنكهةِ الجزالة لذائقة القارئ. (مضطر وربك، نبحث عن لقمة العيش بالحلال، يا سلام! وهل هذا حلال؟ الله لا يحوجك يا أختي وتحمليني، وهل أنا أتحمل المسؤولية ظروفك؟ لا محشومة يا بنت الأجواد)(ص48).
أمّا التناصُّ فوردَ في ثلاث قصص: (اعتراف أبيض) و (لقاح) و (عشرولوجيا)، ففي الأولى تناص قرآني، وذلك عندما قالت الساردة عن الرجل الذي يجلس مع صديقته في المقهى أنّه (فكّر ثم قدّر ثم قُتل كيف قدّر)(ص15). ويقول الله عزّ وعلا في سورة المدثر:
((( إنّه فكّر وقدّر(18)فقُتِل كيف قدّر(19)ثم قُتل كيف قدّر(20) ))) . وجاء هذا التناص مناسبًا لما يفكر به الرجل وهو ماذا سيفعل في هذه المرأة التي تجلس معه، وهل يُنهي اللقاءَ أم يُبقيها معه للصباح ويُشبٍعَ معها غرائزه الحيوانية. وفي قصة (لقاح) تناصّ مع بيت شعري لأبي نواس يقول فيه: دع عنك لومي فإنّ اللومَ إغراءُ***وداوني بالتي كانت هي الدّاءُ
وذلك عندما وصفتْ البطلةُ البحرَ بأنه مستودع الهموم والأحزان والسعادة، وقبرٌ كبيرٌ لضحايا وجثث مظلومين وظالمين، فعندما تتشرّب خلايا الجسد ملوحةَ البحر المعجون بالقذارة سيكتسبُ مناعةً تقيّةً من شهوة إصلاح العالم.(ص41). وفي قصة (عشرولوجيا) تناصّ نبوي يظهر في قول البطل لزملائه المعلمين (إني أرى ما لا ترون)(ص59)، وهو تناصّ مع قولِ الرسول صلى الله عليه وسلم: ]]  إنّي أرى ما لا ترون [[ (رواه الترمذي)، وتناص قرآني في ردّهم عليه: (تالله إنك لفي ضلالك القديم)(ص59)، مع قوله تعالى في سورة يوسف: ((( قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم )))(آية 95). ولا يخفى على أحدنا الفائدة التي يتركها التناص في النص الأدبي، فإنه يُعلي من شأن اللغة، ويُظهر مفاتنَ السّرد، ويُظهرُ العمقَ والمسكوتَ عنه من ثقافةِ المبدع.
ومما يزيد عنصر المكان واقعيةً في قصص المجموعة، انتقاء السويلم لأسماء حقيقية مثل: نجد، الرياض، الحجاز، السودان، مصر، مقبرة أم الحمام، جامع الملك خالد، محلات دبنهامز، فخدمتْ هذه الأماكن القاصَّ والقارئَ والمغزى في آنٍ واحد. واعتنت السويلم بشخصياتها اعتناءً ذكيًا يخدم مضمون القصص ومغزاها، لا سيما أنها اختارت من بين هذه الأسماء اسمًا مشهورًا جدًّا وهو (وجيهة حويدر) في قصة (رأس أنثى) هذه الناشطة السعودية التي كانت تُطالب بحقوق المرأة على الملأ. وفي قصة (نيران صديقة) وصفتْ اسميّ "نبيل" و "شريف" للصديقين البطلين، للدلالة على نبلهما في علاقتهما أمام الناس، وهما يعلمان في دواخلهما أنّ ثمة فراغٌ خفي بينهما لا يعرف به أحد، ناهيك عن أنّ كثيرًا من أبطال القصص كانوا بدون أسماء ليتشارك القارئ مع القاصّة في وضع الأسماء اللائقة للشخصيات. ومن الملفت للانتباه أنّ القاصّة السويلم كانت تنتقي عناوين القصص بعناية، وتجعل منها جزءًا مهمًّا يُساهم في فهم مغازي القصص، فعلى سبيل المثال عنوان (رأس أنثى) تتحدث عن حقوق المرأة ودورها في المجتمع، والحقيقة أنّ (رأس أنثى) هو اسم للوحة فنية للفنان العالمي (ليوناردو دافنشي) ينظر من خلالها إلى جمال الأنثى وإلى أنها كائن عاقل من الناحية البيولوجية والفكرية، وأنها دائمًا مكافئة للرجل. ناهيك عن اسم الصالون الذي ورد في القصة (صالون لاسكابلياتا) فهو اسمٌ آخر للوحة دافنشي (رأس أنثى).
ومن التقنيات الممتعة التي استخدمتها السويلم في المجموعة، (تضمين نص داخل نص) وهذا بدا واضحًا في قصة (مذكرات يوم لم يولد بعد) حيث ضَمَّنَتْ نصًّا شعريًّا للشاعر المصري صلاح عبد الصبور ليتناسب مع مضمون القصة التي سهرتْ فيه بطلتها على مرض أمها من جهة، وليتناسب مع كلام الأم عندما أيقظت ابنتها المتعبة من جهة أخرى. (بسم الله عليك، الحمد لنعمته من أعطانا ألّا نختار، بسم الله عليك، وش فيك؟ فلو اخترنا لاخترنا أخطاء أكبر)(ص38). وفي قصّة (مسؤولية) ضَمّنتْها السويلم نصًّا قرآنيًا من سورة التوبة، لتتناسب مع المسؤوليات والأعباء الملقاة على عاتق المرأة وحدها. وفي قصة (عشرولوجيا) ضَمّنتْها القاصّة بيتين شعريين لطرفة بن العبد وذي الرّمة، ورد فيهما لفظة شجرة العُشَر.
وبعد ما سبق نقول: إنّ القاصّة نوال السويلم أثبتتْ للقرّاء في مجموعتها القصصية الأُولى أنها مبدعةٌ بحق، وأنها لم تُظهِر نفسَها على السّاحة الإبداعية إلا بعد أن نَضِجتْ فنّيًا، لا بل إنّها أقنعت القارئَ أنّها احترفتْ فنَّ القصِّ منذ زمن، فقد أكسَبَتْ اللغةَ أبعادًا دلاليةً ممزوجةً بالرشاقة لترسمَ هموم المجتمع العربي، وتناوَبَتْ في استخدامِ الواقعيةِ والخيال للإمتاع مرّة وللإقناع مرّة أخرى، مع حرصها على أن تجعلَ الأشياءَ العاديّةَ قابلةً للقصِّ والنقدِ في آن.
*أكاديمي وناقد أردني.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التشظي في شعر بشرى البستاني جدل الذات والعالم.pdf

التشظي في شعر بشرى البستاني جدل الذات والعالم.pdf دراسة نقدية