الحياة ميدان للخير والشر
والفضيلة والرذيلة يتعايش فيها البر والفاجر ويموج فيها عالم الأخيار الفضلاء
بعالم الأشرار.وهذه الثنائيات المتضادة في الفكر والأخلاق والمبادئ سنة من سنن
الله في كونه وفطرة جبل عليها خلقه . وفكرة الصراع في الأعمال الأدبية الموضوعية
(المسرحية والروائية) تنبثق من هذا التناقض والتعارض في الأفكار والرغبات والميول
بين أطراف النزاع، ولا نتصور أن يكون هناك صراع ما لم نر الخير والشر مجسداً في
شخصيات تناضل من أجل مبادئها، إن كانت فاضلة، أو نزواتها الشيطانية إن كانت شخصيات
مرذولة. وتصوير الخطيئة والسقوط الأخلاقي كما يبدو له ضرورته ومسوغاته بوصفه
ملمحاً من ملامح الشخصية الآثمة لا تكتمل صورتها في ذهن الملتقي بدونه، فهو ليس
هدفاً بل وسيلة للكشف عن عالم الشخصية المظلم ورغباتها المحرمة . وانطلاقاً من
رؤية إسلامية للأدب نجد أن بعض النقاد يؤثرون تقديم الشخصية الآثمة في صورة النفس
اللوامة، بحيث يرتفع الكاتب بها عن السقوط ويكتفي بتصوير لحظات ضعفها واقترابها من
الخطيئة والسقوط في الرذيلة، ومن ثم ينجلي صراعها عن يقظة ضمير تمنعها من الخطيئة
وتعصمها من الزلل . وهذه الرؤية تسمو بالنفس الإنسانية وتتعالى بها عن السقوط
والانحلال حتى في لحظات انحرافها وزيغها لا تلبث أن تسترد وعيها ولا تنهزم أمام
شهواتها . وهذه الرؤية المثالية ليست واقعية، فالنفس الإنسانية ليست لوامة في كل
أحوالها ولا معصومة من الخطأ فقد تنتصر النفس الأمارة بالسوء وقد يموت الضمير أو
يطول غيابه تحت مظلة الشر. والقرآن الكريم قص علينا من أنباء ما قبلنا ما يعضد
هذا، ففي لحظة ضعف قتل قابيل أخاه هابيل، وأُلقِيَ يوسف عليه الصلاة والسلام في
الجب من قبل إخوته ويعلق د. نجيب الكيلاني على هذه الرؤية بقوله " والواقع أن
هذا الرأي يحد من اكتمال الصورة في بعض الأحيان، ويحجب عن الملتقي ملامح السقوط
ومأساته وآثاره، والكاتب هنا لا يصور الشر للشر، ولكن .. لتوقيه،(1) وفي تصوري أن
الإشكال ليس في تصوير السقوط فمسألة هل يقع البطل أم يرتفع عن السقوط في يقظة
ضمير، مسألة تقديرية تخضع لتقدير المؤلف وظروف العمل وملابساته، الإشكال هنا يكمن
في طريقة التصوير وأسلوب التعبير. وحول هذا يقول توفيق الحكيم : " إنني لا
أتصور فناً لا يصور الرذيلة كما يصور الفضيلة ولا يبرز الشر كما يبرز الخير .
فحرية التصوير هذه مفروضة ومطلوبة وإن المشكلة عندي لا تكمن في حرية التصوير وإنما
تكمن في الإحساس الأخير الذي يستقر في نفوس قراء هذا الأدب.(2) فإذا سلّمنا أن
المؤلف إنما يصور سقوط البطل وانحلاله الخلقي بدافع أخلاقي هو توقي الشر وتعرية
الواقع لنقده وتقويمه، إذا سلّمنا بهذا فإن نبل هذا الهدف وحده غير كاف ما لم
يرتفع الأديب في لغته عن الابتذال والسقوط، لأن تصوير الانحلال قد يفضي إلى
الإعجاب به وتحسين الفساد وإعلاء الرذيلة قد يكون هو الإحساس الذي زرعه المؤلف في
نفوس قرائه وإن لم يكن عامداً لهذا. فحرية التصوير لها ضوابط وقيود فهناك بون شاسع
" بين تصوير الرذيلة على أنها لحظة من لحظات ضعف الإنسان، وبين تقديمها
للقراء على أنها بطولة تستحق التمجيد، ومثل ينبغي أن يحذو الناس حذوها .(3)
والمؤلف القدير هو من يمتلك زمام اللغة وأسرارها الجمالية ويطوعها للتعبير عن
مقاصده بعيداً عن مجافاة الذوق . إنه هو من يدرك سحر الكلمة الموحية المعبرة التي
تختزل المشاهد غير المحبذة بأيسر العبارات، وهو من يمتلك الوصف السريع اللماح متجاوزاً
الإغراق في تفصيلات جزئية تجافي الذوق،ولا تخدم الحدث، فالكلمة هي سر ذلك كله بها
يكون انحطاط الذوق، وانتهاك الفضيلة، وبها أيضاً يحلق بنا الأديب في سماء الفضيلة .
--------------------
(1)د. نجيب الكيلاني حول المسرح الإسلامي ص25. (2) د. عبد الرحمن رأفت
الباشا، نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد ص 170. (3) السابق ص 172

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق