الأربعاء، 22 يناير 2020

استخدام النثر في المسرح الشعري




يعرف النقاد القدامى الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى، فالوزن عنصر أساسي من عناصر الفن الشعري، بالإضافة إلى مقومات فنية أخرى: كالصّورة والخيال والعاطفة. وسواء أكان البناء الموسيقي جاريا على بحور الخليل أم على إيقاع التفعيلة فإن الموسيقى الشعرية بما فيها من لحن ونغم من أهم ملامح تميز الشعر عن الكلام المنثور
يعرف النقاد القدامى الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى، فالوزن عنصر أساسي من عناصر الفن الشعري، بالإضافة إلى مقومات فنية أخرى: كالصّورة والخيال والعاطفة. وسواء أكان البناء الموسيقي جاريا على بحور الخليل أم على إيقاع التفعيلة فإن الموسيقى الشعرية بما فيها من لحن ونغم من أهم ملامح تميز الشعر عن الكلام المنثور.
والشعر لغة لها طابعها الخاص وتشكيلها الموسيقي الذي يختلف عن النثر، وإذا شابها خروج عن النظام الموسيقي القائم، لحق البناء أو الشكل اضطراب أو خلل من جراء الخروج عن النسق العام.
واستخدام النثر في المسرح الشعري يعني نقل اللغة من مستوى أدائي إلى آخر لكنه أبداً لا يعني انتهاك اللغة أو خللاً في موسيقاها، أوقصوراً في الأداء. إذ هو ظاهرة تتم بوعي يتخلى فيها الشاعر عن لغة الشعر إلى النثر.
وهو تقليد جرى في عرف الكتابة المسرحية قبل شكسبير، إذكانت هناك أغراض محددة تبيح استخدام النثر، منها: "في حديث الخدم والمجانين ... [و] في المواقف الهزلية التي تتخلل المواقف الجادة، وإذا جاء شخص من العالم الخارجي للمسرحية بأنباء كان عليه أن يتلوها نثراً ... وكان نفس الشيء ينطبق على الخطابات إذ كانت لغتها نثرية"(1 ).
وقد ورث شكسبير تقاليد سابقية، لكنه لم يتوقف عندها، إذ طوّر النثر، واستخدمه للتعبير عن معانٍ أساسية في مسرحياته، وجعل منه أداة من أدوات التعبير الدرامي(2 ).
 
أما عن استخدام النثر في المسرحيات الشعرية، فلم يكن ظاهرة لافتة في لغة حوارها، ولم يرث الشعراء تقاليد استخدامه، فأحاديث الخدم والمجانين ولحظات الهذيان تكتب شعراً.
كما حرصوا على صياغة الخطابات والرسائل والأنباء شعراً حتى في الخطب التي تستند على أساس تاريخي، لم يحاكوا واقعها اللغوي بصياغتها نثراً بل حاكوا أسلوبها ومضامينها، ونظموا المنثور.
وقد ظهر النثر في بضع مسرحيات شعرية منها: (بعد أن يموت الملك) لصلاح عبد الصبور وقد خالف فيها ما ألفته التقاليد المسرحية، فكتب حوار الوصيفات (الجوقة) نثراً، في حين يحرص معظم الشعراء على صياغتة شعراً حتى أنَّ أحدهم يرى "أن تكون لغة الكورس شعراً مع فصول المسرحية النثرية"( 3).
واستخدام الجوقة هنا يغاير وظيفتها في باقي مسرحياته، فقد استعان بها لإلغاء الحاجز الوهمي بين خشبة المسرح والجمهور سعياً وراء التغريب، ولتأكيد هذه التقنية البريختية التي تسعى إلى الخروج على الأنماط السائدة والتقاليد المتوارثة، كتب حوار الجوقة نثراً.
والأداء النثري هنا تجربة لغوية يسوقها التهافت على التجريب، واستحداث صيغ تعبيرية جديدة للمسرح أكثر من كونها تعبيراً عن قيم درامية أساسية.
ولمهدي بندق تجربة مشابهة لصلاح عبد الصبور ففي مسرحية (ريم على الدم) يستعين بأساليب المسرح الملحمي ولذا "يزاوج في مسرحيته بين أكثر من مستوى أدائي في اللغة فيستخدم النثر في حوار المؤلف مع المتفرج، وفي حوار المتفرج مع سائر المشاهدين كما زاوج في هذا الحوار النثري بين العامية والعربية [الفصحى]"( 4)
وكما استُخدم النثر في حوار الجوقة، استُخدم في حوار الشخصيات، وجنح بعضهم إلى صياغة الأنباء نثراً، ومن ذلك في مسرحية (الحب والحرب) لشوقي خميس، حيث يقرأ أحد الفلاحين وصف معركة حربية في المعسكر، ويقرأ جندي منشور عصيان عرابي، وكلاهما جاء نثراً.( 5)
وفي (ليلى والمجنون) لصلاح عبد الصبور، يقرأ زياد خبراً صحفيا لأستاذه بلغة نثرية.(6 )
وفي (الصحوة) لـ (أبو زيد مرسي أبو زيد) تذاع البلاغات الحربية في حرب السادس من أكتوبر نثراً.
واستخدام النثر نما بصورة أكثر وضوحاً في مسرحيات عبد الغفار مكاوي، أما المسرحيات السالفة فقد ظهر بصورة محددة في حوار الجوقة أو ما شابهها كالجمهور والمؤلف، أو مواضع معينة في المسرحية.أما لدى عبد الغفار مكاوي فيتخذ النثر صورة غير مألوفة في المسرحيات الشعرية ففي (من قتل الطفل) يكاد يسيطر الشعر، لكن المؤلف يجنح إلى النثر بإدخال أسطر نثرية في سياق شعري، أو صياغة نثرية لأحد أقوال الشخصية.
كقول الشيخ:-
العقاب والثواب من الله يا ابنتي لقد قلت لنفسي إنك
لن تترددي في إثبات براءتك مهما كان الثمن في سبيل
ابنك. اذهبي إلى غرفتك وسيدعوك الحارس. (منادياً
الحارس) يا حارس.( 7)
ومثل هذه الجمل النثرية قول الشيخ:-
لما أنبأني رسول القرية بما حدث فكرت في الطريق
وقلبت الأمر. وحين حضرت لقيت الزوجة والضرة
وتحدثت لكل منهما على انفراد. وأمرت بأن تترك
كل منهما في غرفة منفردة.(8 )

وقوله:  المرأة التي تقبل أن يشطر ابنها نصفين لا تصلح أن تكون
أم الطفل. والمرأة التي تقبل أن تظهر عارية أمام الناس
لا تتورع عن قتل ابنها.( 9)
فهذه الأسطر كما يبدو نثر خالص، وهو ظاهرة في المسرحية لا لغة لها، إذ يسيطر عليها الشعر.
ويميل عبد الغفار مكاوي إلى مزج النثر بالشعر في مسرحيات أخرى بصورة أكثر مما سبق مثل: (البطل) و(الحلم) و(بشر الحافي يخرج من الجحيم).
ففي (البطل) تتألف المسرحية من ثلاثة أقسام هي (بداية) و(لعبة) و(خاتمة) ولغة البداية والخاتمة لغة شعرية وصفها أحدهم بقوله: "شعر يسهل إلقاؤه على الممثل، ويمتاز بإيقاع رشيق وسريع في آن واحد. ثم هو أصلح أداة للتعبير عن أحزان النفس، وصدماتها العميقة"( 10).
أما القسم الثاني منها (اللعبة) فهو أكبر الأقسام، وقد جاء نثراً عدا مواضع قليلة منه كتبت شعراً.
وفي المسرحية يتقاسم الشعر والنثر لغتها، وامتزاج الأداء اللغوي فيها وفي باقي مسرحياته يمكن تفسيره على أنه ملمح فني من ملامح المسرح التعبيري، الذي استهوى المؤلف فقدمه في دراسات ومسرحيات من تأليفه.( 11)
"
والتعبيرية تتيح أقصى مجال من الحرية في استخدام الأساليب أو الوسائل الفنية أو الأجواء. فقد نجد في المسرحية الواحدة انتقالاً فجائيا – قد لا نعطي له أحيانا تفسيراً من الشعر إلى النثر"( 12).
وعن لغة المسرح التعبيري يقول مكاوي: ليست "هي اللغة التي تلتزم بقواعد يمليها الواقع أو الفن، وإنما هي لغة تحمل قيمتها في نفسها، وتحاول أن تنقل أشواق أصحابها وصراخهم وغضبهم وحنينهم إلى الأخوة البشرية والمجتمع الإنساني الحق نقلا حيا مباشراً. ولذلك نجدها بين الشعر والنثر"(13 ).
ويمكن القول إن الازدواج اللغوي في مسرحيات عبد الغفار مكاوي تجربة لغوية يهدف منها إلى الخروج على التقاليد المسرحية المألوفة بتقديم مستوى لغوي متنوع يكفل له حرية التعبير دون قيود. وهي محاولة تدخل في إطار المسرح التجريبي الذي يسعى إلى تقديم صيغ مسرحية جديدة تخالف التقاليد المسرحية المتوارثة.

 هوامش
( 1)
د. شفيق مجلي، النثر في مسرح شكسبير، مجلة (المسرح) عدد ممتاز عن شكسبير، العدد 40، السنة الرابعة، إبريل 1967م. ص59.
( 2)
انظر: السابق.
(3 )
د. يوسف نوفل، تطور لغة الحوار في المسرح المصري المعاصر، ص222.
( 4)
د. السعيد الورقي، تطور البناء الفني في أدب المسرح العربي المعاصر في مصر، ص225.
( 5)
انظر: الحب والحرب، ص153.
( 6)
انظر: ليلى والمجنون، ص25.
( 7)
من قتل الطفل ص37.
( 8)
السابق، ص56.
( 9)
السابق ص57.
( 10)
د. فخري قسطندي، البطل اللا بطل في مسرحية البطل، مجلة المسرح، العدد(22) السنة الثانية مارس 1984م، ص100.
(11 )
من دراساته: التعبيرية في الشعر والقصة والمسرح، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م،، وعلامات على طريق المسرح التعبيري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م، مقدمة مسرحيات (ليونس ولينا، فويسك) تأليف جورج بوشنر، القاهرة – الدار القومية للطباعة والنشر، 1965م. مقال : بشنر وموت دانتون، مجلة المسرح العدد (61) عام 1969م.
( 12) 
فردب ميليت وجير الدايدس بنتلي، فن المسرحية، ص369.
( 13)
علامات على طريق المسرح التعبيري، ص14.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التشظي في شعر بشرى البستاني جدل الذات والعالم.pdf

التشظي في شعر بشرى البستاني جدل الذات والعالم.pdf دراسة نقدية