الاثنين، 27 يناير 2020

المكان في الدراما الشعرية


شغل موضوع المكان عدداً من الدراسات الأدبية في الرواية والمسرحية والشعر، وشكَّل ظاهرة جماليَّة في الأدب لصلته الوثيقة بالإنسان، وممارسته سلطة على مشاعره وأحاسيسه، وفي الأعمال الأدبية الموضوعية: (الرواية والمسرحية) تتضاعف أهمية المكان لكونه عنصرا من عناصر البناء الفني، والتعبير عنه ليس ظاهرة جمالية فحسب بل ضرورة درامية، فما من حبكة إلا ولها حيز مكاني.
وقد تعددت تعريفات المكان، لتعدد المشتغلين به من فلاسفة، ونقاد، وأدباء، وعلماء لغة ونحو، وفيزيائيين، وجغرافيين، وفلكيين، ويعنينا هنا مفهومه، في المذهبين الكلاسيكي والرومانسي، ومفهومه في المصطلح المسرحي.
ومن الوجهة المذهبية يحتفظ النقد المسرحي في تاريخه بجدل كبير دار بين أنصار المدرستين الكلاسيكية والرومانسية حول المكان، دعا فيه الكلاسيكيون إلى مبدأ الالتزام بوحدة المكان، وحددوها تحديداً تعسفيا ضيقاً، وجعلوا من هذا المبدأ أصلاً من أصول التأليف المسرحي لا يجوز انتهاكه، واشترطوا أن تجري حوادثها في المكان الذي يبدأ فيه التمثيل لا يتعداه، لكنهم اتفقوا على أن تدور حوادثها في حدود المدينة الواحدة([1]).
والكلاسيكية تستقي مبادئها من أرسطو، وهو لم يحددها ولم يشترطها، ولم يذكرها في كتابه، وقاسها أديب إيطالي على وحدة الزمان([2])، وغالى شراح أرسطو من الكلاسيكيين في هذا الفهم، وضيقوا على أنفسهم واسعاً حاصرين إبداعهم في دائرة محددة لا يتجاوزونها.
وعلى أنقاض الكلاسيكية قامت الثورة الرومانسية التي اجتاحت كل أصول الكلاسيكية بما فيها مبدأ الالتزام بوحدتي الزمان والمكان، ورأت فيه قيداً يحد من حرية الأديب ويحجِّرها، فانهارت هذه الوحدة في المسرح الرومانسي الذي لم يلتزم بها، وتبعه المسرح الحديث الذي أهملها ولم يراع هذا المبدأ.
وقد تأثر الحوار بهذه الفلسفة المذهبية، فالمسرحية التي تتقيد بوحدة المكان ينهض فيها الحوار بعبء السرد والتلخيص للأحداث التي تجري خارجه، وفي المسرحية التي تهملها وتوسِّع من رقعة المكان ينهض الحوار بوظيفة التنويه على النقلات الزمانية والمكانية.
أما عن مفهوم المكان في المصطلح المسرحي، فهو متعدد الأبعاد فقد يطلق على مكان العرض المسرحي أي: "الموضع الذي تقدم فيه العروض المسرحية"([3]).
كما تطلق تسمية المكان "على الموضع الذي تجري فيه وقائع الحدث المتخيل"([4])، والذي يدخل في دائرة اهتمام الدراسة هو مكان الحدث.
وهناك عدّة أساليب للتعبير عن مكان الحدث المتخيل:-

أولها: الإرشادات المسرحية

الإرشادات المسرحية أو الإخراجية هي "التوجيهات التي يسوقها المؤلف في نص مسرحيته - خلال الحوار – كي يوجه القارئ أو المخرج أو الممثل إلى وجوب تنفيذ حركة ما أو انفعال أو صمت أو  وصف شيء معين"([5])، ومن جملة ما تعبر عنه هذه الإرشادات وصف المكان ، وهي نص لغوي بقلم المؤلف، لذا يعدها بعض النقاد نصَّاً ثانويًّا يعمل إلى جانب النص الرئيس الذي تنطقه الشخصيات (الحوار) كمساعد لغوي ولكنها تختفي "عندما تعرض المسرحية، فهي إذن لا تدرك، ولا تؤدي وظيفتها التصويرية إلا عند قراءة المسرحية"([6]).
ثانيها: الوسائل المادية:-
يتم التعبير عن مكان الحدث بوسائل مادية مثل:- الديكور والإكسسوار، وقطع الأثاث، ومؤثرات سمعية وأخرى بصرية كالإضاءة …إلخ.
وهذه الوسيلة تختص بالمسرحيات المعروضة لأنها وسائل مرئية وسمعية، وقد تطورت إلى فن يعنى بتصميم وتنفيذ ديكور مكان العرض هو السينوغرافيا.
ثالثها: الحوار
يقوم الحوار بمهمة التعبير عن المكان في المسرحية المقروءة والممثلة على السواء سواءً أكان حواراً للشخصيات أم حواراً للجوقة أو الراوي حيث يبث المؤلف كثيراً من الإشارات المكانية في الحوار وغايتها رسم البيئة المكانية.
 والحوار نص لغوي بقلم المؤلف وبلسان الشخصيات، وهو بذلك لا يتلاشى عند العرض، كما أنه يساعد على التخفيف من عبء تكاليف الإخراج، ويذلل بعض الصعوبات الفنية التي تعوقه.
وقد اتخذ الحوار في المسرحيات الشعرية نمطين في تعبيره عن الظاهرة المكانية هما:-
1-           وظيفة تبليغية يقتصر فيها دوره على الإبانة عن المكان بتسميته أو وصفه ورسم حدوده.
2-           وظيفة شعورية يجسد فيها المكان تجسيداً شعورياً، يلمس موقف الشخصية من المكان الذي تأهله، وإحساسها به، ويغدو الحوار هنا مكثفاً عميقاً لأنه يؤدي وظيفتين في الوقت ذاته هما التعبير عن المكان ونقل شعور الشخصية تجاهه.
وفي ما يلي أبرز وظائف الحوار في التعبير عن المكان:-
1-           تحديد الإطار المكاني للحكاية.
2-           تحديد مكان المشهد.
3-           الوصف الموضوعي للمكان.
4-           التعبير عن المكان النفسي.
1-          تحديد الإطار المكاني للحكاية:-
يقصد بالإطار المكاني: تسمية المكان الذي ستدور فيه أحداث المسرحية، و "كل قصة تقتضي نقطة انطلاق في الزمن، ونقطة إدماج في المكان أو على الأقل يجب أن تعلن عن أصلها الزماني والمكاني معاً"([7]).
وقد دأب معظم الشعراء المسرحيين على تحديد هذا الإطار في بداية المسرحية ضمن نص الإرشادات، ولكنَّ منهم من يستغل الحوار بوصفه وسيلة لغوية فيعمد إلى صياغة الإطار المكاني في الحوار الافتتاحي، وغالباً ما يرد في المسرحيات التي اصطنعت تقنية الراوي أو (الجوقة)، حيث يفصح الراوي عن مكان المسرحية لتهيئة المتلقي، ونلمح في حواره أسلوب الحكاية الشعبية التي غالباً ما يستهلها القاصُّ بالإشارة إلى الزمان والمكان.
ومن الأمثلة على تحديد الإطار في الحوار ما يلي:-
يقول الراوي في مفتتح مسرحية (أخناتون) لأحمد سويلم:-
أحكي لكم حكاية قديمة
كانت على ضفاف النيل
من زمن بعيد.([8])
يتحدد الزمان هنا بتحديد المكان، فقول الراوي (حكاية قديمة، وزمن بعيد) وصف لزمان الحكاية بأنها موغلة في القدم وهذا الوصف لا يفصح عن فترة تاريخية محددة تعود إليها الحكاية بل يظل زمنها التاريخي مجهولاً لولا القرينة المكانية: (على ضفاف النيل) وهي إشارة مكانية صريحة إلى موضع الحكاية، والمكان الفرعوني يقتضي بداهة زمناً فرعونياً، فتسمية المكان تستحضر الفترة التاريخية دون إشارة زمنية صريحة.
ويفتتح الراوي مسرحية (الفلاح الفصيح) بإشارة زمكانية:-
من واحة الملح جاء
بغير زاد وماء
ويمم العاصمة
في ليلة قاتمة([9])
الإشارة المكانية (واحة الملح … العاصمة) تحصر الحكاية في نطاق مكاني محدد لا يتجاوز حدودها، و(واحة الملح) لفظ صريح دال على المكان إذ هو عَلَم لمكان فرعوني، وهو مكان بدء الحادثة ونقطة انطلاق الحدث.
وقول الراوي (ليلة قاتمة) إشارة زمنية إلى وقت الحكاية لا زمنها التاريخي، والتنكير في (ليلة) يفيد العموم أي في ليلة ما من إحدى الليالي الفرعونية حدثت هذه الحكاية، ووصفها بأنها قاتمة تدل على أن الوقت هنا نفسي يلمس الجانب الاجتماعي متمثلاً في فقر الفلاح وقسوة الرحلة الليلية بلا زاد وماء.
ويسترسل الراوي حتى يصرح باسم (العاصمة) الشطر الآخر لمكان الحكاية وهذا التصريح يرد مصحوباً بإشارة زمنية تاريخية:
قد كان في القاهرة
في الأسرة العاشرة
حكاية عريقة([10])
وهنا يصبح الإطار المكاني للحكاية (واحة الملح – القاهرة)، ويتحدد زمنها التاريخي هنا بصورة أدق من النماذج السالفة فقوله (الأسرة العاشرة) فترة زمنية محددة، تشير إلى عهد الأسرة الفرعونية العاشرة التي حدثت فيها هذه الحكاية.
وفي (بيسان والأبواب السبعة) لوفاء وجدي، جاء في أغنية الافتتاح:-
في سالف الأزمان والعصور
كانت هناك قصة تدور
عن بلدة سحرية عجيبة
تمنحها فتاتها الخصوبة.([11])
فلفظ (سالف) كلمة تدل على المضي، وتعني أن الحكاية حدثت في زمن ماضٍ.
وكلمتا (الأزمان والعصور) جمع (زمن وعصر)، ودلالة التعبير بالجمع للتكثير أي كثرة الأزمنة التاريخية التي تعود إليها الحكاية. والإشارة الزمنية هنا غير محددة وجلّ ما توحي به هو شيوع القصة وترددها في عدد من الحضارات الإنسانية دون أن تنسبها إلى عصر بعينه. ولا تسعفنا الإشارة المكانية (بلدة سحرية عجيبة) في الوصول إلى الزمن التاريخي للحكاية (فبلدة) مكان مبهم، ويحافظ الحوار على هذا التعتيم الزمني لتاريخ الحكاية بتجهيل المكان ولزوم التعبير عنه بالبلدة.
وزمان ومكان المسرحية أسطوريان لا يمتَّان إلى الواقع بصلة، ووصف البلدة بأنها (سحرية عجيبة) تعني أن المكان غير مألوف وأن له سمات غير واقعية.([12])
نلحظ مما سبق امتزاج الزمان والمكان ودلالة كل منهما على الآخر، فمعرفة المكان تستحضر – بالضرورة – الزمان.
2-          تحديد مكان المشهد:-
يعرض المشهد جزءاً من أجزاء الحكاية التي تسير وفق تسلسل زمني حتى النهاية، ولأن زمن الحكاية ممتد يتوالد منه عدة أمكنة وأزمنة.
وعلى إثر انهيار وحدة المكان في المسرح الحديث أتيحت للمؤلف حرية مطلقة في التنقلات المكانية، وفق ما يراه، فبات من المألوف أن يكون للمشهد مكانه، واستوجب هذا التعدد أن ينوه المؤلف على تغير المنظر، ويرد هذا التنويه غالباً في مطلع المشهد ضمن الإرشادات، كما يرد في الحوار أيضا حيث يضطلع الحوار بوظيفة التعبير عن المكان.
ويعد عبد الرحمن الشرقاوي من أكثر الشعراء إحساساً بالظاهرة المكانية في حواره، إذ يفيض الحوار لديه بالإشارات المكانية، مما جعل من المكان عنصراً جمالياً في مسرحه، يحرض على دراسة جادة لجماليات المكان في مسرحياته وكثافة الإشارات المكانية في مطالع مشاهد الشرقاوي يعود إلى اتساع رقعة أحداثه وتشعبها، ومن هنا فإنه يعمد إلى بث مكان المشهد في الحوار، ومن الأمثلة على ذلك:- المنظر الثاني من (الحسين شهيداً). وفيه ينقل الحوار المكان:-
الحسين : أين نحن الآن
برير    : هذي نينوى
الحسين : ما اسمها الآخر
برير    : أرض الشط
سعيد   : وتسمى كربلاء
الحسين : هي كربٌ وبلاء.([13])
إن (نينوى)، (والشط)، و(كربلاء) أعلام دالة على المكان، وتسمية المكان جغرافياً إشارة مكانية تغني عن أي تفسير، ويحور الحسين كما ورد على لسانه في المسرحية المكان الجغرافي كربلاء متجاوزاً الدلالة المكانية الصرفة إلى دلالة معنوية ذات قيمة فنية، وتغدو (كربلاء) مكاناً نفسياً من منظور الحسين منحوتة من الكرب والبلاء.
وغالباً ما يقرن الشرقاوي مكان المشهد بزمانه، والزمن عنده زمن كوني يتمثل في: ميلاد الفجر أو مغيب القمر أو منتصف الليل، مثل ما جاء في المشاهد الآتية:- المنظر الثالث عشر في (وطني عكا) ويدور في طريق واسع على حافة مستنقع:-
غسان  : القمر يغيب
إيمي    : إذن فلنخرج من مستنقعنا هذا، كدت أذوب.([14])
وفي المنظر الثاني من (الفتى مهران):
         أسامة  : هوذا الفجر يلوح معلناً ميلاد يوم آخر
         عوض : انظر روعة الأهرام خلفك في الضباب الحالم([15])
والحوار يرسم هنا لوحة فنية للمشهد تستمد جمالها من الطبيعة لصورة الأهرام يتغشاها الضباب وقت بزوغ الفجر.
وفي المنظر الرابع من (عرابي زعيم الفلاحين) يقول عرابي
زوجة الوالي سعيد ! ؟
نحن في منتصف الليل فماذا أيقظك ؟
أهو تغيير مكان النوم أمْ ؟
(لا ترد) أتراه أرق النازح في أول ليلة ؟
غير أن الجو صاف ومشع بالحنين (لا ترد)
هكذا يستشعر الإنسان إذ يقرب من حضرة خير
 المرسلين.([16])
3-          الوصف الموضوعي للمكان:-
يجسد الحوار المكان الذي تشغله الشخصية، وينقل لنا صورته ومعالمه، والوصف الموضوعي للمكان هو تصوير المكان بمكوناته المادية وتفاصيله المحسوسة تصويراً فوتوغرافيا، كما لو كان على أرض الواقع دون أن يكتسي هذا الوصف مشاعر نفسية تلون الحوار الوصفي وهذا الوصف أحد الأساليب المستخدمة في تصوير المكان الروائي، إذ تفرد له مساحات وصفية في حيز النص الروائي ليخلق المؤلف من هذا الوصف فضاءً متخيلاً في ذهن المتلقي.
وهذا الوصف يبدو ضرورة في المسرحية المقروءة – على وجه الخصوص – لخلق هذا الفضاء المتخيل أيضا. بيد أنه يستخدم بحذر، فالكاتب المسرحي – بحكم طبيعة فنه - لا تتاح له حرية الروائيين في رسم معالم المكان بل يظل مقيداً بأصول فنه، لأن الاسترسال في الوصف يحول الحوار إلى مقاطع وصفية مصطنعة لا مسوغ لها.
 ويطول الوصف غالباً في نص الإرشادات ولا حرج في ذلك لأن الإرشادات هي صوت المؤلف، بينما يعد الوصف في الحوار صوت الشخصية المعبر عن رؤيتها للمكان.
والاستعانة بالوصف في المسرحية له شروطه : منها إيجازه، والإشارة السريعة اللماحة إلى أبرز مكونات المكان وتجنب الإكثار من التفاصيل أو الوقوف عندها طويلاً، ثم أن يكون هذا الوصف وسيلة وليس غاية في ذاته، أي يهدف منه المؤلف إلى إضاءة ملمح درامي، حتى لا يشعر المتلقي باجتلابه وأنه مجرد زخرفة وحلية لفظية استدعتها لغة الشعر.
كأن يكون الوصف تمهيداً للشخصية التي ستخترق المكان وتعيش فيه، مثل وصف الراوي للغابة في مسرحية (أدونيس) لبدر توفيق:-
هاهي الغابة تكسو الأرض والأشجار فيها
مورقات يتدلى من حوافيها الثمر
تهمس الريح لها سراً وتصمت
ثم تفضي بالذي يبعد عن مرمي البصر
البحيرة
البحيرة
ذلك الراعي سليل الفجر والوجه الشفيف
وحديث الغابة الملتف بالسحر الكثيف
وغناء الطير في صمت الصباح
فإذا ما استوقف الشاطئ أمراً لا يباح
ضحك الغصن على الحافة واستلقى الزهر
والعصافير تناغت بحديث وعناق
عن أدونيس
قبل أن يمضي إلى الصيد ويلتم الرفاق
وتطل الشمس من بين الفجر([17])
وهذا الحوار لوحة فنية تتشكل معالمها الجميلة بالكلمات الشاعرية، فالأرض المكسوة خضرة والأشجار المورقة، ونسمات الريح الهادئة، والبحيرة، ومناغاة الطيور كلها تفاصيل أو تكوينات شاعرية تكشف عن مكان رومانسي جميل. والمكان الطبيعي بمكوناته البصرية يفيض بالخصب والعطاء بدلالة ألفاظ مثل (يكسو، الأشجار، المورقات، الثمر). وهذا التصوير البديع ليس غاية جمالية بحتة بل هو وسيلة درامية تمهد لشخصية فينوس رمز الحب والجمال، وينسجم جمال المكان وخصوبته مع مزاج الشخصية وطبعها التوّاق إلى كل ما هو جميل.
 وقد يكون الوصف الموضوعي تعبيراً  عن فكرة أرادها المؤلف أو مغزى يرمي إلى تعميق الإحساس به، مثل هذا الوصف البديع في مسرحية (وطني عكا) لعبد الرحمن الشرقاوي:-
أم رشيد :  وحدائق الزيتون في حيفا أتذكر طيبها ؟
غسان   :  والبرتقال هناك في يافا أيونع ما يزال ؟
ليلى     :  والجدول الرقراق في حطين والزهر المضوع في الجبال ؟
رجل 1 :  وشراعنا الخفاق في طبرية أتراه قد غرق الشراع ؟
امرأة 2 : وشعاع فجر العيد في طولكرم .. هل غاض الشعاع ؟
غسان   : ونشيد مريم في البقاع ؟
أم رشيد : والقلعة الشماء في عكا أما زالت هناك ؟
غسان   : والحور والصفصاف يحتضن الطريق إلى الخمائل([18])
فالحوار هنا يستدعي أمكنة متخيلة من ذاكرة اللاجئين في: (حيفا/ حطين/ يافا/ طبرية/ طولكرم/ عكا) ويحددون في هذه الأماكن معالم لها رصيدها الشعوري في نفوسهم: (حدائق الزيتون، أشجار البرتقال، الجدول الرقراق، الزهر المضوع، القلعة الشماء الصفصاف) وهذا الوصف يعكس ضمناً مشاعر اللاجئين وإحساسهم بالأسى والقهر والحرمان من التمتع بهذه الطبيعة الخلابة.
وأراد المؤلف تعميق الإحساس الداخلي بالوصف الخارجي.
ومن الوصف الموظف لغايات درامية وصف البيت في (خدش في الجرَّة) لجليلة رضا: تقول سلوى
كل شيء مات في هذي المدينة .. عندما الدور
تهدم، لم يعد للطابق العلوي سلم، كان طار، كل شيء كان
طار، ووضعنا السلم الخشبي في المنور تحت.([19])
فالوصف هنا فوتوغرافي ينقل صورة خارجية للبيت بعد العدوان الثلاثي، وفي تفاصيل المكان: (الطابق العلوي/ السلم الخشبي/ المنور) قيمة درامية، وعلى حد قول رينيه ويليك: "إذا وصفت البيت فقد وصفت الإنسان"([20]).
والبيت مفردة تعني الراحة والسكينة والاطمئنان، والوصف المادي يشير إلى استلاب البيت معناه، وافتقاد ساكنية الأمن الأسري. وبشاعة العدوان وأضراره المادية والمعنوية.



4-          التعبير عن المكان النفسي
في النماذج السالفة وصف مادي للمكان من الخارج، لم تره الشخصية من الداخل، وتنفعل به أو تتفاعل معه، ولذلك فإنه يعطينا صورة فوتوغرافية تحتاج إلى تأويل لإدراك غاية الوصف.
ولا يجادل أحد في أهمية الوصف الموضوعي للمكان فهو يساعد على "تكوين فكرة عن وضع العينة البشرية التي تأهله، وتجد ألفتها فيه، ولكنه يقف عند هذا الحد، ولا يتجاوزه للتعبير عن الإرادة الإنسانية التي تشغل المكان، وتعطيه امتلاءه الدلالي"([21]).
وقد ظهر في النقد الروائي ما يعرف بشعرية المكان وهي "تسلم بتأثير الوجود الإنساني على تشكيل الفضاء الروائي، وتلح خصوصاً على أهمية رؤية الإنسان للمكان الذي يأهله"([22]).
فشعرية المكان تعني أن هناك تأثيراً متبادلاً بين الشخصية والمكان، أما الوصف الموضوعي فيلغي الحضور الإنساني، ويقتصر على تصوير المكان دون المساس بالعلاقة الشعورية بينه وبين ساكنه.
وشعرية المكان نُقلت إلى القصيدة، وعُني بعض الدارسين بسلطة المكان وتأثيره في تشكيل التجربة الشعورية في القصيدة.
وشعرية المكان في المسرحية لها قيمة فنية لا تقل عن أهميتها في النص الروائي، فالحوار حينما يجسد المكان، يجسد في الوقت ذاته مشاعر الشخصية تجاهه وبالتالي يحقق الحوار وظيفتين هما: التعبير عن الظاهرة المكانية، وفي الوقت ذاته تجسيد البعد النفسي للشخصية. وهذا التلاحم يؤكد أن علاقة الحوار بعناصر المسرحية علاقة متداخلة.
ومن أمثلة الوصف للمكان والإنسان هذا الحوار بين وضاح والأميرة في (الأميرة التي عشقت الشاعر) لأنس داود:
  الأميرة : (كمن تفيق) أو تلك حياةْ .. بيتٌ مهجور ..
                    في ضاحية منسيَّةْ
                    يغرق في عَسس السلطان
                    وجواسيس السلطان
                    لا يجسِر إنسان
                    أن ينطق حرفا
                    أو يدعوَ إلفا
                    أو يمشَي إلا في طرقات الوهم
                    أو يرحل إلا بين ضباب الحلم
وضاح            : عندكِ هذا العالم
                    عندك هذا السعف الأخضر، هذا الشجرُ المورق
                    هذي الأزهاْر.
                    هذا الظلُّ المبتردُ، وهذا النبع الحالمُ، عندك شمس
                    الصبحِ، وقمر الليل الوضاءْ.
                    ونجْوم ترمق بيتك – في ولهٍ – طول الليل،
                    وتمنحك صداقتها، عندك قلبي، وقلوب الشعراء([23])
حوار الأميرة هنا رؤية للمكان من الداخل، وحوار وضاح وصف له من الخارج، وحوارهما معاً ينطوي على مفارقة بين ما هو مدرك بالحس وما هو مدرك بالشعور.
حوار الأميرة وصف لمكان نفسي تراه الأميرة بمشاعرها لا كما هو واقع فعلاً وتخلع الأميرة صفات السجن على البيت فهو: (مهجور/ في ضاحية منسية/ يغرق في العسس والجواسيس). وتحكم هذا  (البيت السجن) لغة السلطة لا لغة الألفة، فدلالة السلب تبدأ من الفعل (يغرق)، ثم تنتشر من خلال تسلّط النفي: (لا يجسر) على الفعلين: (ينطق/ يدعو) وهذا النفي تعبير عن مصادرة الحرية في البيت وسلبه دلالة الانطلاق المألوفة فيه إلى دلالة مقيدة تكبت حرية ساكنه فتجعله أشبه بالسجن. ويستمر تسلّط النفي على الفعلين (يمشي/ يرحل) لكنه هذه المرة محصور بإلا، فإذا كان هناك ثمة انطلاق وحركة في دلالة الفعلين فإنها تبدو غير مجدية لأنها محصورة ومقيدة بطرقات الوهم وضباب الحلم، فالحوار هنا يجسِّد شعور الأميرة وضجرها من حياتها المفرغة من كل معنى للحياة.
أما حوار وضاح فهو وصف موضوعي للمكان كما هو واقع فعلاً، وهو صورة فوتوغرافية لمكان طبيعي جميل يفيض حيوية، ويبعث على البهجة والسرور، وينقل الحوار وصفاً تفصيلياً لمكوناته الجميلة. (السعف الأخضر، الشجر المورق، الأزهار، الظل المبترد، النبع الحالم، شمس الصبح، قمر الليل). والإلحاح على تفاصيل المكان يعمق معنى المفارقة بين واقع البيت وحقيقته المستكنِّة. فمظهره الخارجي الجميل يناقض باطنه التعيس.
ونرى المكان بوجهيه أيضاً في قول حوتب واصفاً السجن في (الحربة والسهم) لمحمد مهران السيد:
حوتب: ما هي ..
         أصدق لو أعطيتك وصفا للسجن
         أو ما فوق نوافذه من قضبان
         أو سمك الجدران
         لكني أكذب لو حاولت
         أن أنفذ داخل مسجون أو سجان
         أو صورت
         كيف يكون هناك الإنسان
         كجناح بعوضة
         أو حيوان ؟([24])
فهنا في حوار حوتب رؤية للمكان من الخارج تتمثل في الوصف المادي المحسوس لمكونات السجن، ورؤية من الداخل لعالم السجن النفسي، ويصوغ حوتب رؤيته لظاهر المكان وباطنه بأسلوب المقابلة بينهما في جملتي : (أصدق .. وأكذب). والجملة الأولى يصدق فيها حوتب في الوصف الموضوعي للمكان بمكوناته المحسوسه: نوافذه وقضبانه وسُمك جدرانه. والجملة الثانية يكذب فيها في تصوير مشاعر السجين أو النفاذ إلى مكنونه، والكذب هنا ليس الكذب الأخلاقي، فالأسلوب كناية عن العجز وقصور اللغة عن الوفاء بالتعبير عن المشاعر، ويضاعف من هذا العجز بقوله: (لو حاولت) فمحاولة الاقتراب من الشعور الداخلي للسجين لن تعطي إلا صورة مزيفة غير صادقة. ويختزل حوتب عالم السجن الداخلي بصورة محسوسة تلغي آدمية الإنسان: (كجناح بعوضة أو حيوان) وهي صورة تقليدية لكنها مكثفة بالدلالات، وتوحي بضآلة الإنسان وحقارته في السجن.
وفي النموذجين السالفين نلحظ أن الرؤية الداخلية للمكان تمتزج بالوصف الموضوعي له، وقد يبدو الحوار وصفاً مادياً لكنه ينطوي على إيحاءات شعورية غير مباشرة لأن الحوار يتوسل بالرمز والصورة الشعرية واللغة الموحية.
 ومن ذلك قول إحدى الوصيفات في (الأميرة تنتظر) لصلاح عبد الصبور:
ونزلنا هذا الوادي المجدب
إلا من أشجار السرو الممتد
كتصاوير الرعب.([25])
فالمظهر الخارجي للمكان هنا يتمثل في: وادٍ مجدب تلفه أشجار السرو، ولا يقنع الشاعر بهذا الوصف الخارجي فيجسده في صورة تشبيهية: (كتصاوير الرعب)، وهي صورة توحي بأنه مكان مخيف موحش لا يأهله إلا الأشباح.
ونستشف العالم النفسي للأميرة ووصيفاتها من قولها (أشجار السرو)، وهي أشجار: "لا تنبت في الحياة ولا تستنبت في قريض الشعراء إلا في أفنية المقابر"([26]).
كما أنها ترمز إلى مشاعر الجدب والعزلة والخوف في نفوس قاطنيه. والاستثناء بإلا له قيمة فنية، فالأسلوب: (نزلنا هذا الوادي المجدب إلا …) يوحي أن المستثنى بإلا سيكون له دلالة الحياة أو الخصب ويخذلنا التوقع وتفجؤنا (أشجار السرو)، ليعمق من معنى الجدب، فهو وادٍ مجدب لا يحوي إلا الجدب.
وبمثل هذا الإيحاء يصف عامل التذاكر القاطرة في (مسافر ليل) لصلاح عبد الصبور:
أحياناً لا تحوي القاطرة سوى حفنة ركاب
ينتثرون كأجولة ملقاة في مخزن قطن مهجور
بل أحيانا لا تحوي إلا رجلا أو رجلين
تبدو مظلمة باردة، خافتة الأنفاس
كبطن الحوت الميت.([27])
فهنا وصف موضوعي للمكان (القاطرة) وهو ينطوي على مشاعر داخلية "حيث نجد أن صفات (ملقاة/ مخزن/ مهجور/ مظلمة/ باردة/ خافتة، ثم التصوير المجازي لها (كبطن الحوت) تعطي للقاطرة صفات السجن، مما يعطي المكان (القاطرة) بعدها الرمزي في الوقت نفسه"([28]).
وقد يُستغنى عن الوصف المادي للمكان ويخلص الحوار إلى تصوير المشاعر الداخلية، والموقف النفسي من المكان، وفي ذلك تكثيف للحضور الإنساني، ومن ذلك قول الأميرة خاتون في (جاسوس في قصر السلطان) لمحمد عناني:-
         محمود            - مولاتي لا يُرْضِيها قصرُ السلطان ؟
         الأميرة            - أَحْلُمُ بمكانٍ كان أبي يتحدَّثُ عنه.
                              بستانٌ لا تُسْمَعُ فيه طبولُ الحَرْب.
                             وَبِلَيْلٍ ساجٍ يَحْلُمُ فيه البَدْر.
                             وَنَهَارٍ يَزْخَرُ بدبيبِ النَّاسْ.([29])
تشعر الأميرة بالغربة المكانية في القصر، ولضجرها من أساليب الدسائس والأحابيل والمكر فإنها تضرب عن الإجابة على سؤال محمود، وانتقاد القصر بلغة مباشرة
ونستشف نفورها من القصر من خلال استدعاء مكان يوتوبيا يناقض حياة القصر. هذا المكان تغشاه السكينة والاطمئنان، وقد عبرت الأميرة عن هذا المعنى بقولها: (يحلم فيه البدر) ويفيض حيوية وحركة، وكنَّت عن الحياة اليومية وما فيها من اكتساب الرزق وطلب العيش بقولها (يزخر بدبيب الناس)، أما القصر فهو مكان يغتال السكينة والأمان، ويستنبت الحرب.
ونلحظ أن الحوار يجسد لنا مشاعر الأميرة ورؤيتها للقصر ولا يعتني بمظهره الخارجي.
 ومن ذلك أيضا قول بجير في (الفتى مهران) لعبد الرحمن الشرقاوي يتذكر إقامته في السجن:-
وعرفنا الزحف على البطن
وسحق العظم وحني الرأس وعض الأرض وهوان اليأس
وعرفنا طأطأة الظهر
وعرفنا الذقن إذا هي ما التصقت بالصدر
وكيف يراد لإنسان يقضي أيام العمر
يركع .. ثم يعود ليرجع من بعد
ويعيش ليركع .. ثم ليركع أبد الدهر([30])
فالحوار هنا لا يرسم تفاصيل (المكان السجن) بل يعتني بتصوير مشاعر ساكنه وهو تصوير يقوم على تداعي الكنايات، حني الرأس، عض الأرض …إلخ وكل هذه الكنايات تدور حول مفهوم واحد هو (الكناية عن حياة السجناء) وما فيها من ذل وامتهان لكرامة الإنسان.
ومن الحضور الإنساني المكثف في المكان قول صهباء في (عابد المسكين) لعبده بدوي:
ماذا أفعل ؟
الدَّارُ تضيقُ علىَّ
الجدرانُ الغضبى تتقاربُ . تطحنُ مني العظْم
القنديلُ العاتي يتأَرجحُ في عينيَّ
يتمسَّحُ فيما تحت الثوب
يسْري في كلِّ مسام الجلْد
يتكوَّر .. يومئ .. يمتدُّ .. يلفُّ .. يضيق
ينسابُ وراء مضيق بعد مضيق([31])
يمارس المكان سلطة على صهباء انعكست مشاعرها عليه فتحول بمكوناته المادية (الجدران/ القنديل) إلى قوة معادية مناوئة لها. والبيت له سمة الثبات لا يضيق ولا يتسع ولا تتقارب جدرانه، والتصوير المجازي كناية عن الضيق النفسي، كالتعبير القرآني في قوله تعالى {وضَاقتْ عليهُم الأرضُ بما رَحُبتْ}.([32])
أنلال




([1]) انظر: د. محمد مندور، الكلاسيكية والأصول الفنية للدراما، ص24، وعمر الدسوقي، المسرحية، ص92.
([2]) انظر: عمر الدسوقي، المسرحية، ص92.
([3]) د. ماري إلياس ود. حنان قصّاب، المعجم المسرحي، ص473.
([4]) السابق، ص474.
([5]) د. إبراهيم حمادة، معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية، ص46.
([6]) د. سامية أحمد سعد، الدلالة المسرحية، مجلة (عالم الفكر) الكويت، مج11 العدد الرابع، يناير – فبراير – مارس، 1980، ص69.
([7]) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص29.
([8]) أخناتون، ص8.
([9]) الفلاح الفصيح، ص5.
([10]) السابق، ص8.
([11]) بيسان والأبواب السبعة، ص6.
([12]) استفادت الشاعرة  من أسطورة عشتار وتموز، ومن أسطورة الصراع بين الازدهار والجدب في الطبيعة وبين الخير والشر في الإنسان وهي أسطورة تكررت في تراث كل الحضارات القديمة في مصر القديمة، وفينيقيا واليونان ..إلخ والشاعرة استفادت من جوهر الأسطورة وأولتها ولم تلزم نفسها بأزمنة وأمكنة تتعلق بمنبع الأسطورة، انظر: د. أنس داود، بيسان والأبواب السبعة، مجلة (إبداع) العدد (4) رجب 1405هـ إبريل، 1985م، ص115
([13]) الحسين شهيداً، ص272.
([14]) وطني عكا، ص134.
([15]) الفتى مهران، ص37.
([16]) عرابي زعيم الفلاحين، ص20.
([17]) أدونيس، مجلة (المسرح)، العدد 65، أغسطس 1969م، ص36.
([18]) وطني عكا، ص22.
([19]) خدش في الجرة، ص16.
([20]) نظرية الأدب، ص231، ترجمة: محيي الدين صبحي، مراجعة: د. حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1987م.
([21]) حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص44.
([22]) السابق، ص45.
([23]) مسرح أنس داود (الأميرة التي عشقت الشاعر)، ص385.
([24]) الحربة والسهم، ص120.
([25]) ديوان صلاح عبد الصبور (الأميرة تنتظر)، ص356.
([26]) د. لويس عوض، الحرية ونقد الحرية، ص122، الهيئة العامة للتأليف والنشر، 1971م. والسرو: شجر واحدته سروة، وهو من كبار الشجر ينبت في الجبال، وتتخذ منه القسيّ.   انظر لسان العرب، ابن منظور، (س. ر. ا).
([27]) ديوان صلاح عبد الصبور (مسافر ليل)، ص632.
([28]) د. مدحت الجيار، البحث عن النص في المسرح العربي، ص219، دار الوفاء، المنصورة، ط2، 1995م.
([29]) جاسوس في قصر السلطان، ص62.
([30]) الفتى مهران، ص131.
([31]) ثم يخضر الشجر، (عابد المسكين)، ص87.
([32]) سورة التوبة، الآية (118).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التشظي في شعر بشرى البستاني جدل الذات والعالم.pdf

التشظي في شعر بشرى البستاني جدل الذات والعالم.pdf دراسة نقدية