تكتسب بعض القصائد والروايات شهرة كبيرة ورسوخا في الذاكرة الأدبية، وسيرورة لدى المتلقين، يتوارثون قيمتها، والإعجاب بها الذي يزداد ويتسع مداه بمرور الزمن. وهذه الحفاوة تسر أي إنسان، كما نتوقع، لكنها قد تتحول أحيانا إلى قيد وذاكرة ثقيلة يملها مبدعها، ويتمنى ألا ترتبط به ولا يعرف بها، وهي ظاهرة عجيبة أن تكون هذه القطعة الأدبية هي الأثيرة لدى القراء، وفي الوقت نفسه أكثر الأعمال إثارة للملل لدى صاحبها!
ويحضر في هذا السياق الشاعر السوداني الهادي آدم الراحل عام 2006م الذي اشتهر بقصيدة " أغدا ألقاك" وظل طوال حياته أسيرا لهذه القصيدة التي غنتها أم كلثوم حتى أنها وصفت في بعض المقالات الصحفية باللعنة التي تطارده إذ جعلته أسيرا لها وحبسته في إطارها فلم يعرف إلا بها وكان يتمنى أن تجربته الشعرية التي تمضخت عن ثلاثة دواوين ومسرحية شعرية أن تحظ باهتمام والتفات نقدي!
والموقف ذاته شعر به الروائي يحيى حقي، ويروي سليمان فياض أنه " يضيق نفسا بأسئلة الصحفيين، وكتابات النقاد عن روايته القصيرة (قنديل أم هاشم). يضيق بإلحاحهم المستمر على هذه الرواية. ويقول لأصدقائه لدي أعمال قصصية أخرى لا يقل مستواها وقيمتها عن القنديل، فلم التوقف عندها، وكأنني لم أكتب سواها؟" ويعلق سليمان فياض من أنه شعر بالضجر ذاته والمعاناة ذاتها من تمحور الاهتمام حول روايته القصيرة (أصوات)، وإهمال أعماله القصصية الأخرى، التي يصفها بأنها لا تقل عنها شأنًا وقيمة.
وفي حضوري لبعض الأمسيات الشعرية لاحظت عزوف بعض الشعراء عن إلقاء القصيدة التي يحبها جمهورهم، وحين تطلب منهم في المداخلات منهم من يحرج ويستجيب لطلبهم مجاملة لهم، ومنهم من يعتذر برجاء شديد وأتذكر لما طلب من الشاعر محمد عبدالباري قصيدته مالم تقله زرقاء اليمامة في أصبوحة بجامعة الملك سعود للعلوم الصحية وعلى الرغم من إلحاح الجمهور اعتذر بشدة معللا بأنه من كثرة طلبها وإلقائها على المنابر وصل إلى مرحلة لم يعد يجد ذاته فيها محلقة أثناء الإلقاء!
ينفر المبدع من أحب الأعمال إلى جمهوره، لأنها تخنقه، وتحرم نتاجه الآخر من حقه في الظهور والمتابعة، فالمبدع يسره أن يدخل المتلقي إلى مدينة نصوصه، ويغوص في تجربته، لا أن يقف على عتبة بابه!
يحدث معي هذا أيضا .. وهذا كله يوصلنا الى فهم عميق لكلام الله تبارك وتعالى بانه الكلام الذي لا يمل ترداده .. أما كلامنا معشر البشر فنمل من ترداد كلامنا فضلا عن ترداد كلام غيرنا .. ذلك ان النفس البشرية طبعت على الملل من المكرر .. ولذلك قال شاعرهم ..
ردحذفإذا تحدثت في قوم لتؤنسهم@
من الكلام بما يمضي وما ياتي@
..
فلا تعيدن حديثا إن طبعهم @
موكل بمعادات المعادات @